العشوائية مكمن الداء وفرجة الأمل

العشوائية داء متمكن من كثير من مفاصل حياتنا، تربى عليها كثير منا ومن لم يتربى عليها صدمته فى واقعه العملى حتى أثرت فيه وتأثر بها. تمثل العشوائية خطرا زاحفا متسللا لحياتنا تزداد حدته بمرور الزمن. يسعى بعضنا لمواجهة عدوانه وإنارة شمعة بدلا من لعن الظلام، لكن الغلبة تميل كفته شيئا فشيئا. ليست المسألة مجرد عشوائية بناء كحل يحتال به الناس ليحققوا أحد أساسيات حياتهم: ألا وهو السكن، والذى كان تاريخيا حتى مائة عام مضت لا يستدعى ثمنا لأرض أو مبالغة فى مدخلات المبانى، لكننا لا نتنازل عن حدود دنيا فى هذه المبانى لتطور حضارتنا المعاشة، فيظل المصرى يصر على السيراميك حينما يشطب شقته من باب استكمال الوجاهة الاجتماعية والأساسيات التشطيبية أمام نفسه ومجتمعه. هل يستطيع مثل هذا الإنسان قبول العيش فى كونتينر سفن بدلا من شقته أو عربة كارافان فوق عجل تمثل غرفة بحمام. هل يمكنه أن يخطط لحياة الاستوديو الذى يقبل به فى غربته أو يتشاؤك مع الأغراب مثلما يفعل فى أوروبا والدول العربية؟ الأمر له بعدان: أحدهما الحرية الغير منظمة، وثانيهما التقاليد التى تنشأ فى مصر من تجارب الأجيال المتتالية. 
هذه التقاليد المتجددة لها محاسن ومساؤئ، وكذلك هى الحرية العشوائية التى تمثل لدينا رصيدا متجددا من الفهلوة أو سعة الحيلة التى تميز ذكاء المصريين وقدراتهم على التحايل على أى واقع فى أى مكان يرتحلون إليه، فتجد لديهم حلولا عجيبة، بعضها مبتكر وبعضها يصبح حلا مصريا بكثرة تداولنا له. يمكن للعشوائية أن تصيب أفكارنا وقراراتنا بالتخبط والعجلة واختيار الأدنى بدلا من الذى هو خير، لكنها تعطينا قدرا من الحرية المكتسبة التى لا يستطيع أحد فى بلادنا لها ردا. قد تزيد هذه الحرية عن الحد المسموح به، حتى تؤدى لمواقف غير مفهومة ولا مبررة مثلما كنا نرى من شطط ملأ ردود أفعال الجميع بعد ثورة يناير 2011، لكننا نحتاج لضبط هذه الفوضى ومعرفة الحدود التى نتوقف عندها بدلا من التجاوز الذى يصيبنا أحيانا باللخبطة، وكذلك نحتاج لتبسيط قواعدنا المبالغ فيها والتى نضعها أحيانا لنجادل بعضنا مثلما اشتهر عن طلبات الموظف لمن يريد استخراج أوراق من جهات حكومية. البساطة ستساعدنا كثيرا: سنذهب بها  من الطرق الأقصر، قد نستفيد من بساطة أهل الجنوب فى مصر، لكنهم كذلك يرتبطون بعادات تعقد المشهد. المصرى لديه إمكانيات كثيرة ولكنها تحتاج التنظيم ببساطة، وإلا سيظل عشوائيا ومش منطقى. مش كده ولا ايه!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مش منطقى - مفتتح